أهتمام علماء العرب والمسلمين بالآثار والحفريات

 يطلـق هـذا اللفـظ - في علم الجيولوجيا - على أي دليل مباشر يشير إلى وجود كائن يرجع عمـره إلـى أكثر من عشرة ألاف عام. وكثيرا ما تكون الحفريات هي بقايا التركيب الأصـلي للكـائن كالعظـام وذلـك بعـد أن ملئت الأجزاء المسامية منها بالمعادن (كربونات الكالسـيوم أو السـليكا) التـي ترسـبت بفعل المياه الجوفية . ومن ثم فإن عملية الترسيب هذه تحمي العظام المتبقية من نفاذ الهواء إليها، فتجعلها أقرب ما تكون إلى الحجارة. 

كما قـد تكـون الحفريـات مادة أصلية مثل الخشب الذي تم استبداله بمادة معدنية. وفي حالات أخـرى تكـون الحفريات هي بقايا من الكربون حفظت نفس شكل تكوين الكائن الأصلي. كـذلك قـد تعـد من الحفريات القوالب والأشكال الطبيعية التي تتكون عندما تتحلل الأجزاء الصلبـة مـن الكائنـات بفعـل المياه الجوفية، وحيث إن التجاويف الناتجة هي الأخرى قوالب طبيعيـة فإنهـا تمتـلئ بالرواسـب الصلبـة وتتشـكل مـن خلالهـا أنماط مكررة أو نسخ من الأشكال الأصلية.

وكذلك من الحفريات .. آثار الأقدام والأصابع التي تظل بدون تغير وتكون محفوظة في التربة المجمدة وبحيرات الأسفلت والمستنقعات.
صفحات من كتاب الشفاء لأبن سينا

 وهنـاك أيضـا الحشرات التي تحجز في المادة الصمغية الخاصة بأشجار الصنوبر القديمة ثم تتصلب وتأخذ الشكل الذي يعرف الآن باسم الكهرمان.

ومـن الحفريات أيضا البقايا الحفرية التي غالبا ما تحتوي على قشور الأسماك وأجزاء أخرى صلبة من حيوانات التهمت. 

وعلى الرغم أن الملاحظة لعملية تحجر الكائنات كانت مستمرة عـلى مـر العصـور، إلا أن تاريخ تسجيل أول تفسير علمي دقيق للحفريات يرجع إلى القرن الـرابع الهجـري / العاشـر المـيلادي، وذلـك عندمـا سـجل علمـاء الطبيعـة المسـلمون نتائج ملاحظـاتهم واسـتدلوا بهـا عـلى نظريتهم في تغير سطح الأرض على مدى الأزمنة التاريخية الجيولوجية الفائقة الطول اللازمة، كما استرشدوا بها في دراستهم لعمليات الترسيب وتحجر الفتات الصخري. 

فذكر ابن سينا في كتابه الشفاء ما نصه:

" وإن كان ما يحكى من تحجر حيوانـات ونبـات صحيحـا فالسـبب فيـه شـدة قوة معدنية محجرة تحدث في بعض البقاع البحريـة أو تنفصـل دفعـة مـن الأرض فـي الـزلازل والخسوف، فتحجر ما تلقاه. فإنه ليس اسـتحالة الميـاه، ولا مـن الممتنـع فـي المركبات أن تغلب عليها قوة عنصر واحد يستحيل إليـه. لأن كـل واحد من العناصر التي فيها، مما ليس من جنس ذلك العنصر، من شأنه أن يسـتحيل إلـى ذلـك العنصـر، ولهـذا مـا يسـتحيل الأجسـام الواقعة في الملاحات إلى الملح. والأجسام الوقعة في الحريق إلى النار".

 أمـا البـيروني فقـد ذكر في كتابه " تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن" علة وجـود العظام في الآبار والحياض بقوله:

 "... فهذه بادية العرب وقد كانت بحرا، فانكبس حتى إن آثار ذلك ظاهرة عند حفر الآبار والحياض بها، فإنها تبدي أطباقا من تراب ورمال ورضـراض ثـم فيهـا مـن الخـزف والزجاج والعظام ما يمتنع أن يحمل على دفن قاصد إياها هنـاك، بـل تخـرج منهـا أحجـارا إذا كسرت كانت مشتملة على أصداف وودع، وما يسمى آذان الأسـماك: إمـا باقيـة فيهـا عـلى حالهـا ، وإمـا باليـة قد تلاشت، وبقي مكانها خلاء متشكلا بشكلها ". 

ويسـتدرك ابـن سـينا في الشفاء في تعليل وجود الحيوانات المائية في أعالي الجبال فيقول: 

"فالجبال تكونها من أحد أسباب تكون الحجارة والغالب أن تكونها من طين لزج جف على طـول الزمـان، وتحجر في مدد لا تضبط،" 

ويضيف مبينا القيمة العلمية للأحافير الصدفية لأنهـا تعطـي الـدليل عـلى أن المكان الذي وجدت فيه كان مغمورا تحت الماء فيقول: 

"... فيشـبه أن تكـون هـذه المعمورة، قد كانت في سالف الأيام غير معمورة، بل مغمورة في البحـار، فتحجـرت إمـا بعد الانكشاف قليلا قليلا في مدد ل تفي التأريخات بحفظ أطرافها، وإمـا تحـت الميـاه لشـدة الحرارة المختلفة تحت البحر، والأولى أن يكون بعد الانكشاف... ولهـذا يوجد في كثير من الأحجار إذا كسرت أجزاء الحيوانات المائية، كالأصداف وغيرها، ولا يبعد أن تكون القوة المعدنية قد تولدت هناك، فأعانت أيضا".

 وتزودنـا الحفريـات بصفـة عامـة بسـجل للتغيير الهائل الذي امتد عبر ثلاثة بلايين سنة من الـزمن الجيولوجـي. وعـلى الـرغم مـن الاحتمـال القـائم بـأن الكائنات العديدة الخلية كانت منتشرة في بحار العصر ما قبل الكمبيري، إلا أنها كانت كائنات ناعمة الملمس جدا بحيث إنهـا تصبح غير مناسبة لأن تتكون منها حفريات. ومن ثم فإن العصر ما قبل الكمبيري قد خـلف لنـا بقايا نادرة. إلا أن هذه البقايا قد زادت بصورة غير محدودة مع وجود المحارات الصلبـة وأجـزاء هيكلية من الجسم بحلول العصر البلوزيكي منذ 570 مليون سنة خلت. وقـد اسـتخدم علمـاء الجيولوجيـا فـي القـرن التاسع عشر هذه الثروة من الحفريات لوضع تقسيم زمني لآخر نصف بليون سنة.

Comments

Popular posts from this blog

كتاب أساليب جان للتداول في أسواق المال والبورصات "الاصدار الثالث"

Why we do not use standard divination instead to mean absolute error in Regression Models?

الانهيار الكبير … قادم